أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

18

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : أنه منصوب بإضمار أذم ، وقدّره الزمخشري ب « أريد » وليس بظاهر . الثاني : أنه مبتدأ ، أخبر عنه بقوله : « فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » ، وزيدت الفاء في خبره ، لما تضمن من معنى الشرط ، قاله الزجاج ، كأنه قيل : من يخسر نفسه فهو لا يؤمن . الثالث : أنه مجرور على أنه نعت للمكذبين . الرابع : أنه بدل منهم ، وهذان الوجهان بعيدان . الخامس : أنه منصوب على البدل من ضمير المخاطب ، وهذا قد عرفت ما فيه غير مرة ، وهو أنه هل يبدل من ضمير الحاضر بدل كل من كل في غير إحاطة ولا شمول أم لا ؟ ومذهب الأخفش جوازه ، وقد ذكرنا « 1 » دليل الجمهور ، ودلائله وما أجيب عنها ، فأغنى عن إعادتها . ورد المبرد عليه مذهبه بأن البدل من ضمير الخطاب لا يجوز ، كما لا يجوز : مررت بك زيد ، وهذا عجيب ، لأنه استشهد بمحل النزاع ، وهو : « مررت بك زيد » . ورد ابن عطية ، فقال : ما في الآية مخالف للمثال ، لأن الفائدة في البدل مترتبة من الثاني ، فإذا قلت : مررت بك زيد ، فلا فائدة في الثاني . وقوله : « لَيَجْمَعَنَّكُمْ » يصلح لمخاطبة الناس كافة ، فيفيدنا إبدال « الَّذِينَ » من الضمير : أنهم هم المختصون بالخطاب وخصوا على جهة الوعيد ، ويجيء هذا إبدال البعض من الكل » . قال الشيخ « 2 » : « هذا الرد ليس بجيد ، لأنه إذا جعلنا « لَيَجْمَعَنَّكُمْ » صالحا لخطاب جميع الناس كان « الَّذِينَ » بدل بعض ، ويحتاج إذ ذاك إلى ضمير تقديره : خسروا أنفسهم منه . وقوله : فيفيدنا إبدال « الَّذِينَ » من الضمير : أنهم هم المختصون بالخطاب ، وخصوا على جهة الوعيد ، وهذا يقتضي أن يكون بدل كلّ من كل ، فتناقض أول كلامه مع آخره ، لأنه من حيث الصلاحية بدل بعض ، ومن حيث اختصاص الخطاب بهم يكون بدل كل فتناقضا » . قلت : ما أبعده عن التناقض ، لأن بدل البعض من الكل من جملة المخصصات ، كالتخصيص بالصفة والغاية والشرط ، نص أهل العلم على ذلك . فإذا تقرر هذا فالمبدل منه بالنسبة إلى اللفظ في الظاهر عام ، وفي المعنى ليس المراد به إلّا ما أراده المتكلم ، فإذا ورد : اقتلوا المشركين بني فلان مثلا ، فالمشركون صالح لكل مشرك من حيث اللفظ ، ولكن المراد به بنو فلان ، فالعموم في اللفظ ، والخصوص في المعنى ، فكذلك قول أبي محمد : يصلح لمخاطبة الناس . معناه أنه يعمهم لفظا . وقوله : فيفيدنا إبدال الضمير إلى آخره ، هذا هو المخصص ، فلا يجيء تناقض البتة ، وهذا مقرر في علم أصول الفقه . السادس : أنه مرفوع على الذم ، قاله الزمخشري ، وعبارته فيه - وفي الوجه الأول - : « نصب على الذم ، أو رفع ، أي : أريد الذين خسروا أنفسهم ، أو أنتم الذين خسروا أنفسهم » . انتهى . قلت : إنّما قدر المبتدأ « أنتم » ليرتبط مع قوله : « لَيَجْمَعَنَّكُمْ » . وقوله : خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ من مراعاة الموصول ، ولو قال : أنتم الذين خسرتم أنفسكم ، مراعاة للخطاب لجاز ، تقول : أنت الذي قعد ، وإن شئت : قعدت .

--> ( 1 ) انظر سورة المائدة ، آية ( 114 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 83 ) .